ليت الذين مازالوا يلتحفونَ بصمتهم فهموا جيداً ما قاله يوماً المدوّن ” حسين غرير ” قبل أن يكون رقماً جديداً في قائمة المعتقلين :
” لم يعد الصمت ينفع بعد اليوم ، لا نريد وطناً نسجن فيه لقول كلمة ، بل وطناً يتسع لكل الكلمات “.
المدون “ حسين غرير ” الذي جمعتني به ساحات التدوين ، واختلفنا ، نعم لقد اختلفنا في الآراء .. لكنني لن أتردد في الدفاع عنه حتى ينال حريته بإذن الله .. !
” بيان المدونين السوريين حول اعتقال زميلهم وصديقهم حسين غرير ” :
” لم يعد الصمت ينفع بعد اليوم ، لا نريد وطناً نسجن فيه لقول كلمة ، بل وطناً يتسع لكل الكلمات “
هذه الكلمات هي آخر ما طالب به المدون السوري حسين غرير على مدونته, وها نحن اليوم ندوّن بأسى خبر اعتقال زميلنا حسين، من دون معرفة أسباب الاعتقال أو المكان الذي تم اقتياده إليه. حسين، ذو الثلاثين ربيعاُ، متزوج وأب لطفلين، شارك في العديد من حملات التضامن مع الإخوة الفلسطينيين في حرب الكيان الصهيوني على غزة، ودوّن عن حرب الكيان ضد لبنان في 2006، كما كان من البارزين في تنظيم حملة “مدونون سوريون من أجل الجولان المحتل”، ومن المشاركين الفعّالين في حملة اليوم العالمي للتضامن مع ضحايا جرائم الشرف. رُهاب الحرّية والكره العميق للأحرار هو ما يجعلهم يعتقلون حسين. فالكلمة هي سلاح حسين وسلاحنا، ونريدها أن تكون سلاح جميع أنصار الصرخة مقابل الصمت. ندعوكم لرفع الكلمة وإعلاء الصوت من أجل حرّية حسين غرير وحرّية جميع معتقلي الرأي وأسرى الضمير في زنزانات سوريا. نطالب السلطات السوريّة بالكشف عن مصير حسين وجميع أصدقائنا، عرفناهم شخصياً أم ﻻ، من أسرى الرأي والإفراج الفوري عنهم لما في اعتقالهم من اعتداءٍ على المنطق ومخالفةٍ لمنطلقات حقوق الإنسان، ونطالب أيضاً بوقف اﻻستقواء المخزي على أصحاب الرأي والكلمة. فالقوّة العمياء، مهما كبر حجمها، تبقى عمياء: تتعثر بنفسها وتسقط.عشتم وعاشت سوريا.
ليستْ بمدادي ، بل بمدادِ كلّ ” أنثى ” رأتْ في ذلك الثائر على أرض الوطن : الأب ، الأخ ، الزوج ، الحبيب ، والرفيق ..!
” 1 “
رفيقي في الثورة : لا أذكرُ كم مرّةٍ أجهشتُ فيها بالبكاء منذ أن نادى المنادي : حيّ على الثورة ، لكنّ الذي أذكره جيداً أنّه كلما ” زغردت ” النساء في وداعِ الشهداء ، سَرَتْ قشعريرة في جسدي ، وأجهشتُ بعدها في البكاء .. ربمّا يُخيّلُ إليّ أنّ ” الزغاريد ” عند فراق الحبيب ، ما هي إلا نُواحٌ .. وهذا النّواح لا تُجيدهُ سِوى النساء ، استمعْ إليهِ جيداً يا رفيقي .!
” 2 “
إلى رفيقي في الثورة : ” لا تحزن ، إنّ الله معنا ” ..!
” 3 ”
بالأمس خفَتتْ كلّ الأصوات ولم أعد أسمع سوى صوتك يا رفيقي .!.. صوتك الذي أيقظني صباحاً ، فهرعتُ إلى سجادتي ، قرأت سورة ” يس ” ، بكيت كثيراً ودعوتُ الله أن يحفظك .. صوتك الذي ردد مع جموع الأحرار في حماة ” يا حيف ” .. صوتك الذي لقّن الشهادة لشابٍ أصابت صدره العاري رصاصة الغدر .. سمعتُ صوتك في حمص ، واللاذقية ، والدير ، ودرعا .. لا أخفيك يا رفيقي .. كلّ صوت ثائرٍ في أرض الوطن هو صوتك !..
” 4 “
يا رفيقي .. هذه هي المرّة الأولى التي لن تصلك فيها كلماتي ، فقضبانُ السجن وجدرانه المَنيعة وقفت حائلاً بينكَ وبين كلماتي ، لكنها محالٌ أن تقف بين أشواقنا وأحلامنا ، لا ظلمةُ السجن ، ولا سوطُ السجان .. ولا وملامحُ السجّان القاسية ووحشيّته ستمنعُ رُوحي من أن تناجيك ، أن تُؤنس روحك .. خبّأتُ بعض الياسمينِ بين ثياب العيد ، وأعددتُ لك الحلوى ، لكنّ العيد مُوحش من دُونك .. كل شيءٍ هنا يفتقدك ، أريكتك ، سريرك ، كُتبك .. حينما اختطفوك مني نسيت ساعتك .. إنني أقضي وقتي كلّه وأنا أحدّقُ فيها ، أراقبُ عَقاربها ، أشعرُ أنّ الوقت يمرّ ببطء علّي ، وربما عليك أيضاً .. لكنني أعُزّي نفسي دائماً بحديثك ليِ في مَا مضى : سيبزغُ الفجر قريباً يا رفيقتي .. !
سألتني إحدى صديقاتي ونحن نتحدّث عن الوطن ، عن أحلامٍ زرعناها ، وأشواقٍ دفنّاها .. إن كنّا نملكُ ” منزلاً ” في سورية ..؟!
ضحكتُ كثيراً .. حقيقةً لا أعلم كم مرّ من الوقت وأنا أضحك ، عفواً وأنا ” أبكي ” ..
ليستْ بمدادي ، بل بمدادِ كلّ ” أنثى ” رأتْ في ذلك الثائر على أرض الوطن : الأب ، الأخ ، الزوج ، الحبيب ، والرفيق ..!
” 1 “
يا رفيق الثورة : ابتسمتُ حينما رأيتك تواجهُ الرصاص الحيّ بصدرٍ عاري ، أحببتُ فيكَ صدقك وشجاعتك ، في زمنٍ يكذبُ فيه الكثير من الرجال .. ويختبئُ فيه أشباه الرجال خوفاً وجبناً خلف ظهور النساء .. لكنك يا رفيق الثورة لا تشبهُهم أبداً .!..
” 2 “
رفيق الثورة : كنتَ اليوم تُمسكُ بيدي .. شعرت أنّ دفء يَديك قد سرى إلى قلبي ، كان الطريقُ طويلاً وأنا وأنت نسيرُ وحيدين .. لكنك لم تترك يدي ، لعلك أدركت أنّ التّعب قد بلغَ بي مبلغه .. فهمستَ في أذني : سيبزغُ الفجر قريباً يا رفيقتي .. سيبزغُ الفجر .!
” 3 “
رأيتُك اليومَ في منامي ، كنتَ حزيناً جداً .. حدثتني عن الكثير من أصدقائك الذين نالوا الشهادة ، عن شجاعتهم وإقدامهم على الموت من أجل أن ينال هذا الوطن حريته ..ثمّ صَمَتْ .. سألتُكَ عن حالك .. رفعت يدك وقلت لي : هذي يدي وهذا رأسي ، انظري هذا جسدي كله لم تصبه رصاصة واحدة ، ثم أشرت إلى قلبك ونظرت إليّ .. لكنّ قلبي جريح وجرحه مازال ينزف ، كم هو مُوجعٌ يا رفيقتي أن يختار اللهُ أصدقائي للشهادة ويتركني .!..
” 4 “
رفيقي في الثورة : بالأمس .. قالت لنا السيدة الوالدة ونحنُ نشاهد ما يبثّه التلفاز من مشاهد الجرحى والشهداء في سوريا : من العيب أن نضحك ، وأهلنا الأحرار يدفعون الثمن غالٍ جداً ، ففي كل بيتٍ في هذا الوطن شهيدٌ أو جريحٌ أو معتقل .. !! إنسحبت بعد ذلك بهدوء ، رغبةً في النوم .. لكنّ النوم أبى إلا أنْ يجافيني في تلك الليلة .!
تُجافي النوم عَيناك.. وتعودُ بك الذاكرة لكثير من الحكايات عن مجزرةٍ عُدّتْ من مجازر العصر ألا وهي مجزرة ” حماة ” والتي يتحدث أهلها عن بشاعتها وعن مُجرم كان يحاول أن يُخفي جرائمه بمقابر جماعية تتكدّس فيها جُثث الرجال والنساء والأطفال ..! لكنّ الحقيقة المرّة أن ” حماة ” ليست المجزرة الوحيدة التي عَانى منها أهلها وبقيتْ حكاية مأساتهم تطاردهم حتى في أحلامهم .. والمقابر الجماعية لم تكن حكراً على تلك المدينة .. نعم مقابر جماعية في ” حماة 1982 ” ومقابر جماعية أخرى أيضاً ” في درعا 2011 ” .. درعا التي خطّ أطفالها أحلامهم على الجدران ، وحطّم شبابها تلك الأصنام .. فتسللَ الظلام لِوأدِ الأحلام ، وهدمِ الجدران ، إنتقاماً لتلك الأصنام .. !
حُوصرت درعا ، قُطع الكهرباء والماء ، وجُوّع الأطفال ، ومُنع الآذان ، وامتلأت ثلاجات الخضار بجثث الأبرياء بعدما عجز أهالي درعا عن دفنها .. حاول المجرم مرةً أخرى أن يُخفي معالم جريمته بعد قتله لكثير من الأبرياء فحُفرت ” مقابر جماعية ” وألقيت فيها جثث أبناء درعا .!
.. حدثتُهم كثيراً عن حلمي .. وعشقي .. عن ” وطنٍ ” يسكُنُنِي .. !!
كانوا دائماً ما يقولون لي : أنتِ تَحْلُمين .!!
نعم .. كنتُ أحْلُم ..
وها هو الحلم .. يتَحَقّق .!
ولأنّ نفوسهم أبتْ أنْ ترى مشاهد الضحايا الأبرياء في ” ليبيا ” وهُم يُبادونَ بالطائرات بكلّ وحشيّة وإجرام .. ولأنّ الكأس امتلأتْ ففاضت بالألم والدموع فأضاءَ المعتصمون الشموع في يوم 22 / 23 شباط أمام السفارة الليبية في دمشق وأرادوها ” سلميّة ” تضامناً مع الأحرار الثوّار في ليبيا .. إلا أنّ ” سِلميّة .. سِلميّة ” لم تكنْ لتَحميَهُم من العصيّ والهروات التي انهالت عليهم من كلّ حَدبٍ وصوب ، بعد شعارات ردّدها المعتصمون ” خاين يللي بيضرب شعبو ” ” خاين يللي بيسرق شعبو ” !.المعتصمونَ يَعلمون جيداً أنّ الذي يضربهم هو أيضاً خائن .. وأنّ الذي يسرق أحلامهم هو أيضاً خائن ..!
لعلّ الرّسالة وصلتْ إلى من يُكمم الأفواه .. ويعتقلُ الشيوخ والشباب وحتى النساء .. ويُهدد الأمن والاستقرار منذُ أكثر من أربعين عاماً ..
وكأنّ حالهم ينطقُ بما لم تنطقُ به ألسنتهم ” إياّك أعني .. واسمعي يا جارة ” !.
شكوتُ له من تلكَ الأحلام المزعجة التي تنهالُ على رأسي كلّما أسلمتهُ لتلك الوِسادة !..
قلبّها ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال ، نظر إليَ وقال : وسادةٌ غالية الثمن مُزركشة ومُكشكشة وذاتُ ألوان مبهجة !
لا بأس يا ابنتي ، لعلك مُرهقة .. نامي الآن .
داعبَ شعري بلطفٍ وتمْتمَ بآياتٍ قرآنية لعلّها سورة ” الناس ” ..
طبعَ قبلةً على جبيني .. وهمَّ بالمغادرة فأمسكتُ بيده وقلت له :
عندما أعود ” للوطن ” لن أحتاجَ لهذهِ الوِسادة .. سأُلقيها جانباً ، وسأنام كل ليلةٍ على صَدرِ ” وطني ” الدافئ ..